السيد عباس علي الموسوي

65

شرح نهج البلاغة

وثانيها ما يمكن أن يحاوله الفكر الصافي الطاهر الموضوعي النزيه الذي لا تشوبه شائبة الوسوسة والانحراف أو شيء من الاضطراب ليصل إلى مغيبات علمه كذلك عجز وكلّ ورجع خاسئا . . . ( وتولّهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته وغمضت مدخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته ردعها ) . وهذه ثالثة المحاولات الفاشلة التي لم يكتب لها الفوز والنجاح إن القلوب مهما اشتد عشقها إليه فإنها تعجز عن ادراك صفاته ومعرفتها على حقيقتها لأن الصفات عين الذات وهذا الإنسان اعجز من أن يصل إلى ذلك . ورابع المحاولات الفاشلة أن العقول إذا استطاعت أن تنفذ إلى دقائق العلوم النظرية وعمقها بحيث بلغت حد العجز في وصفها لدقتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته عجزت عن ذلك وردها ومنعها عن ادراك ما أملت وهذا المنع والعجز لقصور في هذه الوسائل والآلات ولعظمة اللّه وجلاله الذي لا يحدّ ولا يعدّ ولا يقع تحت شيء من وسائل البشر . ( وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه - سبحانه فرجعت إذا جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ولا تخطر ببال اولي الرويّات خاطرة من تقدير جلال عزته ) . إن تلك المحاولات ردها اللّه ومنعها وهي تقطع ظلمات الغيوب لادراك ذات اللّه أو صفاته أنه سبحانه منعها عن ذلك فاعترفت بعد هذا التجوال الطويل أنه سبحانه لا يدرك ولا يعرف بهذا الأسلوب ولا يمكن الوصول إليه بهذا الطريق غير السليم لأن بينه وبين خلقه منازل غير متناهية لا يمكن ادراكها أو الوقوف عليها واجتيازها . وكذلك اعترفت العقول الحصيفة بأنها لا تقدر على أن تتصور جلال اللّه وقوته وعزته على حقيقتها وكما هي في الواقع . . . ( الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله ) . وهذه إحدى صفات اللّه الكريمة وبها ينزه عن مشاركة البشر ، إنه سبحانه خلق الخلق من العدم وأنشأه من اللاوجود بدون أن يتصوره أولا ثم يخلقه كما يتصوره كما أنه لم يكن ايجاده له على نحو قد تقدم عليه ووجود سابق من إله معبود غيره ثم هو قلده في ذلك واتبعه في خلق هذا العالم ، حاشا للهّ أن يكون كذلك وهو الأول الذي تنتهي إليه الموجودات وهو الآخر الذي لا آخر له . . . ( وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته واعتراف الحاجة من